كتاب نادر بالوثائق.. “الحكيم” يكشف كواليس الأدباء والأقرباء..

كتاب نادر بالوثائق.. “الحكيم” يكشف كواليس الأدباء والأقرباء..

أبوه ينصحه في رسالة شجيّة: دع الخيال والوهم وتغلب عليهما بالشجاعة واتبع الحقائق تكن من الفائزين.. نص قرار هيكل بعقابه بسبب مقاله ” أنا عدو المرأة والنظام البرلماني”.. قصة مداعبة العقاد له قبل رحيله ورفضه عضوية المجمع اللغوي!

القاهرة – “رأي اليوم” – محمود القيعي:

“هذا الكتاب هو في حقيقة أمره تاريخ رسائل ووثائق وجدتها عندي بين أوراق مهملة مدشوشة، وهي ليست كل ما عندي من رسائل ووثائق ضاعت مع الزمن، ولست أدري ما الذي أبقى هذه وأضاع تلك؟”.

بهذا الكلمات يقدم توفيق الحكيم لكتابه “وثائق من كواليس الأدباء” الذي أصدرته مؤسسة أخبار اليوم “كتاب اليوم” عام 1977.

والكتاب ينطوي على أهمية تاريخية وأدبية كبيرة، فهو كما يقول الحكيم: “ليس فقط تاريخ شخص، لكنه أيضا يمتد إلى أشخاص، وهو يتحرك ليس في إطار زمني قصير، ولكن في إطار حقبة من الزمن تشمل نصف قرن، وقد حرصت على أن تكون نصوص الرسائل والوثائق هي التي تتكلم، وألا يكون تدخلي إلا بقدر ما هو ضروري للإيضاح، ولعلي بذلك أكون قد أنقذت من الضياع ما قد ينفع في دراسة حياتنا الأدبية والفكرية في هذه الفترة من تاريخ بلادنا”.

“وثائق من كواليس الأدباء” يكشف جوانب مهمة في حياة أدباء وعلماء مصر والعالم الكبار من خلال رسائلهم المتبادلة مع الحكيم، وهي الرسائل المملوءة حكمة وأدبا وعلما، فضلا عن النوادر التي اشتهروا بها.

في الكتاب رسائل تاريخية ممتعة من إسماعيل الحكيم “الوالد” ورد الابن عليها، ورسائل من علي مصطفى مشرفة، وخليل مطران، والمستشرق الروسي كراتشكو فسكي ، و العقاد وطه حسين ، والزيات .

يرى رشدي صالح في تقديمه للكتاب “النادر” أن الحكيم أراد نشر تلك الوثائق ليضع النقاط فوق الحروف بالنسبة لأمور ثلاثة هامة:

ـ الأول: هو تعريفنا بأنحاء هامة من تاريخ مصر من خلال مجموعة من الأحداث والعلاقات التي عاشها واحد من كبار أعلام أدبنا العربي الحديث .

ـ الثاني: إلقاء ضوء واضح على الأسلوب الذي اختاره الحكيم لنفسه لكي يصنع من موهبته الفنية موهبة بناة الأدب المسرحي العظيم .

ـ الثالث: أن توفيق الحكيم يستكمل بهذا الكتاب ما سبق أن نشره عن رحلة حياته في المسرح ، وقد امتازت كتاباته بالصدق مع النفس والعرفان للآخرين.

رسالة من الوالد إسماعيل الحكيم في إحدى الرسائل، يقول الوالد إسماعيل في مساء السبت 13 أكتوبر 1928

ولدنا توفيق..

لعلك بصحة وعافية، لقد تسلمت خطابك اليوم فقط أي الجمعة 12 أكتوبر الجاري، وعلمت ما جاء به خصوصا اقتراحك المتعلق بمقابلة معالي لطفي بك وإخباره بما قلت في خطابك من جهة تعلقك بالوجهة التي تقصدها توصلا إلى غرضك وهو النبوغ في الأدب وإفادة البلاد بالتآليف الأدبية..

وإني منتظر منك خطابا فاصلا في هذا الموضوع حتى نرسل إليك مصاريف السفر للحضور إلى مصر ، ويجب عليك تقدير مبلغها لإرسالها ، ولو أنها في الحقيقة غرامة كنا في غنى عنها لو أنك ترويت في أمرك ولو قليلا قبل السفر، ولم تطلق العنان للخيال وتترك الحقائق الملموسة . واعلم أن لا أضل من الخيال والوهم ، ولا أضر منهما على المرء، فدع الخيال والوهم وتغلب عليهما بالشجاعة ، واتبع الحقائق تكن من الفائزين بإذن الله .

مساء السبت 13 أكتوبر 1928

والدك إسماعيل.

كيف يخاطب والديه؟

يرد الحكيم في إحدى الرسائل على والديه قائلا:

باريس في 18 أكتوبر 1928

سيدتي الوالدة العزيزة

سيدي الوالد المحترم

سكت طويلا عن الرد في هذه المرة لأني أردت أن أنتظر حتى يمكنني إخباركم بوقت عودتي بالتحقيق، وقد بدا لي الآن أن العمل الذي أسير فيه ليس من السهولة بمقدار ما كنت أحسب.

وإذا كان هذا الطريق عظيما فلأنه محفوف بالمصاعب ، وإذا كان الفائزون فيه نادرين ، فلأن من يقوون على السير وسط الزوابع نادرون أيضا….

قبل أن أنتهي أود أن أشير على حضرتكم باستشارة من تثقون به في كل ما تتخذونه قبلي من تصميم ، لاسيما أولئك الكبار العقول الذين يدركون ما فيه الخير لا لي ، ولكن للنفع العام في هذا العصر ، وتقبلوا تحيات واحترام ولدكما المطيع.

توفيق

الذي يقبل أياديكما

مصطفى مشرفة

من بين رسائل الكتاب رسالة من العالم الكبير مصطفى مشرفة للحكيم ، جاء فيها :

19 فبراير 1934

3 شارع ديسكس

مصر الجديدة

عزيزي الأستاذ توفيق الحكيم

أذكر أنني عقب عودتي من انجلترا أول مرة بعد غيبة نحو ست سنين عن مصر ، كنت أتحدث إلى سيدة إنجليزية ، فدار الحديث حول تشارلس دكنز ، وما لهذا المؤلف العظيم من المقدرة على تخليد شخصيات الطبقات المتوسطة في عصره، قالت ألا يوجد بينكم كاتب يصور الحياة المصرية ويبرز ما فيها من الشخصيات التي تمثل الشعب المصري في عصرنا الحالي على نحو ما فعله دكنز في عصر الملكة فكتوريا ؟ قلت أخشى يا سيدتي أننا فقراء من هذه الناحية ولكن لعل المؤلف الذي تطلبينه قد ولد أو لعله يوشك أن يولد ، قالت : إن على مؤلفك المنتظر أن يسارع وإلا انقرض أشخاص رواياته كلهم أو جلهم قبل أن يدركهم بقلمه .

قلت : لندع السماء معا أن تظهره بأعجوبة .

وبالأمس وأنا أقرأ كتابك ” عودة الروح” عاودتني ذكرى هذا الحديث، وقد مضى عليه ما يقرب من عشر سنين، فساءلت نفسي جديا : هل استجيب الدعاء ؟

هل صار سليم وصارت زنوبة وصار مبروك شخصيات قومية خالدة مثل : مكوبر ، مسز أرس ، سام فلر ؟

شيء واحد يستطيع أن يجيب على هذا السؤال بصفة قاطعة هو :

الزمن ، أما أنا فأكتفي بأن أثير السؤال ..

على مصطفى مشرفة .

تعليق

يعلق الحكيم في كتابه عل رسالة د. مشرفة بقوله: “هذه الرسالة من العالم المصري الدكتور على مصطفى مشرفة الذي قيل إنه من بين العلكاء العشرة في العالم الذين تعمقوا يومئذ فهم أينشتين ونظريته النسبية … وقد أدهشني أن عالما متخصصا في الرياضيات العليا يمكن أن يهتم برواية “عودة الروح”.

لمن خفق قلب مي؟

في الكتاب رسالة من الأديبة مي زيادة تبدي فيها إعجابها الشديد بـ ” أهل الكهف”، ويعلق الحكيم عليها بقوله : “هذه الرسالة من الأديبة “مي” التي كان لها من المكانة في الحياة الأدبية لمجتمع العشرينات والثلاثينات ما ندر أن تصل إليه امرأة ، وقد كان لها صالون أدبي مشهور، وكان الجميع يتفانى في الظفر بمرضاتها والتحبب إليها ، ولكن قلبها كما كان يقال لم يخفق إلا لرجل واحد وهو جبران خليل جبران ” .

خليل مطران

تضمن الكتاب أيضا رسالة من الشاعر الكبير خليل مطران يصف فيها الحكيم بأنه “أفخر هدية أهدتها الطبيعة إلى مسرحنا”.

كراتشكو فسكي

الوثائق “النادرة  تضمنت رسالة من المستشرق الروسي كراتشكوفسكي، جاء فيها:

“سيدي الأستاذ الفاضل

سلاما واحتراما

قد تناولت في هذه الأيام مجموعتكم الجديدة ” المسرحيات ” في الجزأين ، ورأيت فيهما صفحة جديدة من عبقريتكم المتنوعة وصورة للحياة المصرية ، ولا أدري من أيهما كان إعجابي ولذتي أكبر ، وقد أجدتم في كليهما إجادة لم يسبق إليها .

المخلص

أغناطيوس

كراتشكو فسكي

الروسي

ليننجراد

11- 3- 1938

المقال الذي عوقب بسببه!

في الكتاب مقال كتبه الحكيم وعوقب بسببه ، و نشر في عشرين أكتوبر 1938 ، في ” آخر ساعة المصورة ” العدد 229 بعنوان

” أنا عدو المرأة.. والنظام البرلماني !

لأن طبيعة الاثنين في الغالب واحدة .. الثرثرة !” .

قرار العقوبة

وقد عاقب محمد حسين هيكل وزير المعارف الحكيم بخصم خمسة عشر يوما من مرتبه بسبب ما اعتبره تعريضا بالحياة النيابية في مصر.

طه حسين

من بين ما جاء في الكواليس رسالة من د. طه حسين يخاطب الحكيم قائلا :

” أرجو أن ألقاك قريبا على خير ما أحب لك من صحة وعافية وراحة نفس وفراغ بال ورضى ضمير، واكتب إلي ، فإن رسائل القدماء من كتاب الأندلس لا تغنيني عن رسائل الأصدقاء من كتاب مصر المعاصرين وعن رسائلك خاصة ” .

كرسي يسعى إليه الأدباء والكبراء

يروي الحكيم أنه في عام 1949 أخبره صديقه أحمد أمين عضو المجمع اللغوي بأنه رشحه مع منصور فهمي لعضوية المجمع، فرفض ، فلما أبلغ أحمد أمين المجمع ، امتعض أحمد لطفي السيد رئيس المجمع وقال بأسف :

“هذا كرسي يسعى إليه الأدباء والكبراء! ” .

العقاد يداعبه!

في نهاية الكتاب يورد الحكيم نص رسالة من الأستاذ عباس محمود العقاد يقول فيها :

” أخي الأستاذ توفيق

حفظه الله

عدت من أسوان وعاد إلى كتابكم المحبوب أمس ” من عند المجلد ” وهو كما ذكرتم بحق كتاب جد محبوب ، ولكني – والحق يقال أيضا – لا أعرف لكم كتابا غير محبوب ، عندي وعند قرائكم المحبين، إلا أن ” خناقات الأحباب ” أكثر من خناقات الغرباء ، ولعل كراهة كتاب من كتبكم تهمة أُجزى عليها بالتصييف على حسابكم ، ولكن بغير السلاسل والحلاوة الطحينية!

سلمتم ودمتم في سلامة وسلام.

٢٠/٣/١٩٦٣

المخلص

عباس محمود العقاد

“توفي العقاد عام 1964” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *