يسبر المرصدان "ليغو" الأميركي و"فيرغو" الأوروبي أغوار الفضاء بحثاً عن موجات الجاذبية، وقد التقطا فعلاً عدداً من هذه الموجات التي تؤرخ لأحداث فلكية ضخمة جرت في أعماق الكون.

يتكوّن المرصد "ليغو" من جهازين منفصلين، وهو نجح في سبتمبر/أيلول من العام 2015 للمرة الأولى في تاريخ العلم في التقاط هذه الموجات التي تنبأ بها ألبرت آينشتاين نظرياً قبل أكثر من 100 عام، ضمن نظرية النسبية العامة الشهيرة.

وقال آينشتاين في العام 1915 إن جاذبية المادة تؤدي إلى تشوه فيما سماه "الزمكان" أي الكون بأبعاده الأربعة، الطول والعرض والعمق والزمان.

وشبه آينشتاين هذا التشوه بذلك الذي تسببه قطعة حجرية تلقى في الماء، فتولد تموجات فيها، وأثبت أن وجود الأجرام يؤدي إلى تموجات يمكن التقاطها.

ومنذ مطلع أغسطس/آب، استؤنف العمل بمرصد "فيرغو" في إيطاليا، بعد توقف دام أعواماً عدّة بسبب أعمال التحسين.

وقد التقط المرصدان أربع دفعات من موجات الجاذبية، ناجمة عن التحام ثقوب سوداء.

والثقوب السوداء أجرام هائلة الكثافة تبتلع جاذبيتها كل ما في جوارها بما ذلك الضوء، ولذا لا يمكن مشاهدتها لأن لا ضوء يأتي منها، بل تبدو للناظرين من عدسات المراصد ثقوباً سوداء في الكون.

أما الدفعة الخامسة من الموجات التي رصدها "ليغو" و"فيرغو" والتي أعلن عنها الاثنين، فكانت موجات ناجمة عن التحام نجمين نيوترونيين، وهي أجرام فلكية صغيرة لكنها كبيرة الكثافة.

والمرصدان مؤلفان من أجهزة قياس تداخل تعمل بأشعة ليزر وتتيح إجراء قياسات دقيقة وفهم التداخل بين الموجات وخاصيات الضوء.

وهذه الأجهزة العملاقة الشديدة الحساسية تتألف من ذراعين متعامدتين، هما نفقان بطول أربعة كيلومترات في مرصد "ليغو" وثلاثة كيلومترات في مرصد "فيرغو"، يتدفق في كل منهما شعاع من الليزر ينعكس عند كل طرف في مرايا.

وينشطر الشعاع إلى اثنين، يقطع كل منهما كيلومترات عدة في النفق بالتعامد مع الثاني، وحين يصطدم الشعاع بالمرآة ينقلب في الاتجاه الآخر مولّدا التداخل.

وحين تمرّ موجات الجاذبية، تتغيّر المسافة التي يقطعها الشعاع الضوئي ويتغيّر التداخل، الأمر الذي يسمح برصد هذه الموجات وقياسها.

ويتألف "ليغو" من قسمين يفصل بينهما أربعة آلاف كيلومتر، الأول في ليفينغستون في ولاية لويزيانا جنوب الولايات المتحدة، والثاني في هانفورد في ولاية واشنطن في الشمال الغربي.

ويعمل في مرصد "ليغو" ألف و200 باحث من أنحاء مختلفة من العالم، وهو مموّل من المؤسسة الوطنية الأميركية للعلوم، ويشرف عليه معهد كاليفورنيا التقني ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

أُنشئ مرصد "ليغو" قبل ربع قرن، بمبادرة من المركز الوطني الفرنسي للأبحاث العلمية والمعهد الوطني الإيطالي للفيزياء الوطنية. ويعمل فيه 280 عالم فيزياء ومهندساً وتقنياً من 20 مختبراً أوروبياً، 6 في فرنسا و8 في إيطاليا واثنان في هولندا.

ويشبّه علماء رصد موجات الجاذبية بأنه فتح جديد في علم الفلك، يشبّهونه باكتشاف غاليليو للتلسكوب الذي غيّر آنذاك علوم الفضاء.